الشيخ محمد رشيد رضا
303
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 16 * 18 ) يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ( 17 * . ) قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ ( 18 * . ) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ ، وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * * * بين اللّه تعالى لرسوله ( ص ) وللمؤمنين أنه أخذ الميثاق على أهل الكتاب من اليهود والنصارى من قبل ، كما أخذه على هذه الأمة الآن ، وأنهم نقضوا ميثاقه ، وأضاعوا حظا عظيما مما أوحاه تعالى إليهم ، ولم يقيموا ما حفظوا منه . وهذا البيان من دلائل نبوته ( ص ) التي هي من معجزات القرآن الكثيرة . ثم ناداهم بعد ذلك ووجه إليهم الخطاب في إقامة الحجة عليهم بقوله عز وجل يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ قيل إن هذه الآية نزلت في قصة إخفاء اليهود حكم رجم الزاني حين تحاكموا إلى النبي ( ص ) في ذلك وستأتي القصة في هذه السورة . والصواب أن الآية على إطلاقها فكان رسول اللّه وخاتم النبيين صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد بين لأهل الكتاب كثيرا من الاحكام والمسائل التي كانوا يخفونها مما أنزل اللّه عليهم ، منها حكم رجم الزاني هو مما حفظوه من أحكام التوراة ( كما تراه في 22 : 20 - 24 من سفر التثنية ) ولم يلتزموا العمل به ، وأنكروه أمام النبي ( ص ) فأقسم على عالمهم ابن صوريا وناشده اللّه حتى اعترف به . فهذا مما كانوا يخفونه عند وجوب العمل به أو الفتوى . وكذلك أخفوا صفات النبي ( ص ) والبشارات به وحرفوها بالحمل على معان أخرى . اليهود والنصارى في هذا سواء . وهذا النوع غير ما أضاعوه من كتبهم ونسوه البتة ، كنسيان اليهود ما جاء في التوراة من خبر الحساب والجزاء في الآخرة . وما أظهره لهم الرسول مما كانوا يخفونه عنه وعن المسلمين كانت الحجة عليهم فيه أقوى ، لأنهم كانوا يعلمون أنه أمي لم يطلع على شيء من كتبهم ، ولهذا